الشيخ محمد رشيد رضا

295

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن قتادة أنه قال في الآية : خلق اللّه السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار . » الخ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : الظلمات ظلمة الليل والنور نور النهار . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال نزلت هذه الآية في الزنادقة . . . قالوا إن اللّه لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئا قبيحا ، وانما خلق النور وكل شيء حسن ، فأنزل اللّه فيهم هذه الآية . وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا ان قوله تعالى ( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) رد على الزنادقة المنكرين لوجود اللّه تعالى ، وقوله ( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) رد على المجوس الذين زعموا ان الظلمة والنور هما المدبران - وقوله ( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) رد على مشركي العرب ومن دعا دون اللّه إلها . وجملة القول إن بعضهم قال بأن المراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية وبالنور النور الحسي ، وبعضهم قال بما يقابل ذلك ، وفي القول الأول ردّ على المجوس أو الثنوية الذين زعموا أن للعالم ربين أحدهما النور وهو الخالق للخير والثاني الظلمة وهو خالق الشر . ويجوز الجمع بين إرادة الحسيّ والمعنوي من كل من اللفظين - وقال الواحدي : الأولى حمل اللفظين عليهما - واستشكله الرازي لأنه مبني على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز والمختار عندنا جوازه وجواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا ، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا ، فان الجعل يشمل الخلق والامر - أي الشرع - كما تقدم ، فيفسر جعل كل نور بما يليق به فجعل الدين شرعه والقرآن إنزاله والرسول إرساله والعلم والهدى تهيئة أسبابهما وقدم ذكر خلق السماوات على خلق الأرض لأنه أعظم وأشرف ، وقيل لأنها خلقت قبل الأرض كما ذكر عن قتادة آنفا ، والأول أظهر وفي الثاني خلاف معروف . ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هذه الجملة معطوفة على جملة « الْحَمْدُ لِلَّهِ » أو على جملة « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » وقد عطفت بثم الدالة على بعد ما بين مدلولي المعطوف والمعطوف عليه لإفادة استبعاد ما فعله الكافرون وكونه ضد ما كان يجب عليهم للاله الحقيق بجميع المحامد لكونه هو الخالق لجميع الكون العلوي والسفلي وما فيه الظلمات الحسية والمعنوية ، والهادي لما فيه من النور الذي يهتدي به الموفقون في